الغزالي

22

إحياء علوم الدين

الورد السابع : إذا اصفرت الشمس بان تقرب من الأرض بحيث يغطى نورها الغبارات والبخارات التي على وجه الأرض ويرى صفرة في ضوئها دخل وقت هذا الورد ، وهو مثل الورد الأول من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، لأنه قبل الغروب كما أن ذلك قبل الطلوع . وهو المراد بقوله تعالى * ( فَسُبْحانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ « 1 » وهذا هو الطرف الثاني المراد بقوله تعالى * ( فَسَبِّحْ وأَطْرافَ النَّهارِ « 2 » قال الحسن : كانوا أشد تعظيما للعشي منهم لأول النهار ، وقال بعض السلف : كانوا يجعلون أول النهار للدنيا وآخره للآخرة . فيستحب في هذا الوقت التسبيح والاستغفار خاصة وسائر ما ذكرناه في الورد الأول ، مثل أن يقول : أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ، وأسأله التوبة ، وسبحان الله العظيم وبحمده ، مأخوذ من قوله تعالى * ( واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ والإِبْكارِ « 3 » والاستغفار على الأسماء التي في القرءان أحب كقوله أستغفر الله إنه كان غفارا ، أستغفر الله إنه كان توابا ، رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ، فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين ، فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ويستحب أن يقرأ قبل غروب الشمس * ( والشَّمْسِ وضُحاها « 4 » * ( واللَّيْلِ إِذا يَغْشى « 5 » والمعوذتين ولتغرب الشمس عليه وهو في الاستغفار ، فإذا سمع الأذان قال اللهم هذا إقبال ليلك ، وإدبار نهارك ، وأصوات دعاتك ، كما سبق ثم يجيب المؤذن ويشتغل بصلاة المغرب ، وبالغروب قد انتهت أوراد النهار ، فينبغي أن يلاحظ العبد أحواله ويحاسب نفسه فقد انقضى من طريقه مرحلة ، فان ساوى يومه أمسه فيكون مغبونا وإن كان شرا منه فيكون ملعونا فقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « لا بورك لي في يوم لا أزداد فيه خيرا » فان رأى نفسه متوفرا على الخير جميع نهاره ، مترفها عن التجشم كانت بشارة فليشكر الله تعالى على توفيقه وتسديده إياه لطريقه ، وإن تكن الأخرى فالليل خلفة النهار فليعزم على تلافى ما سبق من تفريطه فان الحسنات يذهبن السيّئات ، وليشكر الله تعالى على صحة جسمه ، وبقاء بقية من عمره طول ليله ليشتغل بتدارك تقصيره . وليحضر في قلبه ان نهار العمر له آخر تغرب فيه شمس الحياة ، فلا يكون لها بعدها طلوع وعند ذلك يغلق باب التدارك والاعتذار ، فليس العمر إلا أياما معدودة تنقضي لا محاله جملتها بانقضاء آحادها

--> « 1 » الروم : 17 « 2 » طه : 130 « 3 » غافر : 55 « 4 » الشمس : 1 « 5 » الليل : 1